السيد محمد الصدر

43

ما وراء الفقه

إذن يتحصل لدينا أن حيثية وجهة استعمال لفظ الموت غير جهة استعمال لفظ الوفاة . وليس بين المفهومين - كما نتصور - نسبة التساوي بل يمكن القول إن بينهما نسبة العموم والخصوص من وجه . يعني أنهما قد يحصلان معا وذلك في أغلب صور الموت الطبيعي ، فهو موت ووفاة في نفس الوقت . وقد يحصل أحدهما بدون آخر ، كما سنذكر : أما حصول الوفاة بدون موت ، فيمكن أن نشير إلى وجوده في القرآن الكريم في موضعين : أحدهما : أنه سمى النوم وفاة ولم يسمه موتا . فقال تعالى * ( ا للهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها ) * . يعني وهو يتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها . إذن فهو يتوفى الأنفس لدى منامها . فالنوم - إذن - وفاة وإن لم يكن موتا . ثانيهما : إننا نعتقد أن النبي عيسى ابن مريم على نبينا وعليه السلام حي لم يمت . وهذا ما عليه إجماع الفريقين من المسلمين ونطقت به الكثير من الروايات . ومع ذلك فقد نص القرآن على حصول الوفاة له . وهي غير الموت . قال سبحانه * ( فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ) * . فقد توفاه اللَّه حال حياته وقبل موته . فهذان موردان تحصل فيهما الوفاة ولم يحصل الموت . وأما حصول الموت بدون الوفاة . يعني أن يحصل له الموت الطبيعي ولكن لا تحصل له الوفاة بالمعنى الذي شرحناه . يعني لا يوافيه اللَّه سبحانه في الجهة الروحية المعنوية ، بل يكون محروما من رحماته الخاصة وفيوضاته العليا . فمن ذلك قوله تعالى * ( وَمَنْ كانَ فِي هذِه ِ أَعْمى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمى وَأَضَلُّ سَبِيلًا ) * . وقوله تعالى * ( كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ) * . ومن هنا نعرف أن قوله تعالى * ( ا للهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها ) * .